ابن كثير
196
البداية والنهاية
فأخذوا معها نابلس ، فأرسل إليهم الصالح أيوب جيشا مع فخر الدين ابن الشيخ فكسرهم على الصلت وأجلاهم عن تلك البلاد ، وحاصر الناصر بالكرك وأهانه غاية الإهانة ، وقدم الملك الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية فدخل دمشق في أبهة عظيمة ، وأحسن إلى أهلها ، وتصدق على الفقراء والمساكين ، وسار إلى بعلبك وإلى بصرى وإلى صرخد ، فتسلمها من صاحبها عز الدين أيبك المعظمي ، وعوضه عنها ثم عاد إلى مصر مؤيدا منصورا . وهذا كله في السنة الآتية . وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة بين جيش الخليفة وبين التتار لعنهم الله ، فكسرهم المسلمون كسرة عظيمة وفرقوا شملهم ، وهزموا من بين أيديهم ، فلم يلحقوهم ولم يتبعوهم ، خوفا من غائلة مكرهم وعملا بقوله صلى الله عليه وسلم " اتركوا الترك ما تركوكم " ( 1 ) . وفي هذه السنة ظهر ببلاد خوزستان على شق جبل داخله من الأبنية الغريبة العجيبة ما يحار فيه الناظر ، وقد قيل إن ذلك من بناء الجن ، وأورد صفته ابن الساعي في تاريخه . وممن توفي في هذه السنة من الأعيان : الشيخ تقي الدين ابن ( 2 ) الصلاح عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الإمام العلامة ، مفتي الشام ومحدثها ، الشهرزوري ثم الدمشقي ، سمع الحديث ببلاد الشرق وتفقه هنالك بالموصل وحلب وغيرها ، وكان أبوه مدرسا بالأسدية التي بحلب ، وواقفها أسد الدين شيركوه بن شادي ، وقدم هو الشام وهو في عداد الفضلاء الكبار . وأقام بالقدس مدة ودرس بالصلاحية ، ثم تحول منه إلى دمشق ، ودرس بالرواحية ثم بدار الحديث الأشرفية ، وهو أول من وليها من شيوخ الحديث ، وهو الذي صنف كتاب وقفها ، ثم بالشامية الجوانية ، وقد صنف كتبا كثيرة مفيدة في علوم الحديث والفقه [ وله ] تعاليق حسنة على الوسيط وغيره من الفوائد التي يرحل إليها . وكان دينا زاهدا ورعا ناسكا ، على طريق السلف الصالح ، كما هو طريقة متأخري أكثر المحدثين ، مع الفضيلة التامة في فنون كثيرة ، ولم يزل على طريقة جيدة حتى كانت وفاته بمنزله في دار الحديث الأشرفية ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من ربيع الآخر من سنة ثلاث وأربعين وستمائة ، وصلي عليه بجامع دمشق وشيعه الناس إلى داخل باب الفرج ، ولم يمكنهم البروز لظاهره لحصار الخوارزمية ، وما صحبه إلى جبانة الصوفية إلا نحو العشرة رحمه الله وتغمده برضوانه . وقد أثنى عليه القاضي شمس الدين بن خلكان ، وكان من شيوخه . قال السبط أنشدني الشيخ تقي الدين من لفظه رحمه الله :
--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) من تاريخ أبي الفداء 3 / 174 من شذرات الذهب : وفي الأصل " أبو " .